المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السنة والبدعة للشيخ صالح آل الشيخ


أم عبد الرؤوف
01-01-2009, 08:27 AM
````تعريف الشاطبي المشهور في كتابه الاعتصام، حيث عرّفها رحمه الله تعالى بقوله: البدعة طريقة في الدين مخترعة، تُضاهى بها الطريقة الشرعية، يُقصد بها المبالغة في التعبد لله تعالى.
وقال غيره في تعريف البدعة: البدعة في الاصطلاح ما أُحدث على خلاف الحق المُتلقى عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في علم أو عمل أو حال بنوع شبهة أو تأويل وجُعل ذلك صراطا مستقيما وطريقا قويما.
والتعريف الأول تعريف الشاطبي نحتاج إلى أن نفصله؛ لأنه مهم وهو تعريف سديد، والشاطبي تأمل هذا الموضوع موضوع البدع والمحدثات فألّف فيه كتابه الاعتصام وهو كتاب مشهور غني عن الوصف.
قال في تعريفه (البدعة طريقة في الدين مخترعة):
(طريقة) يعني أن أصحابها جعلوا البدعة طريقا ملتزما؛ لأن الطريق لا يسمى طريقا حتى يسمى ملتزم السلوك عليه، فقوله (طريقة في الدين) نفهم منها أن السير في ذلك الطريق طريق البدعة ألتزم به، لم تفعل مرة وتترك؛ بل جعلت طريقة وجعل ذلك طريقا مسلوكا، قد طُرق من كثرة السلوك عليه.
قال (في الدين) وفي الدين يخرج في الدنيا؛ لأن المحدثات في أمر الدنيا راجع إلى المصالح المرسلة، وليس براجع إلى البدع؛ لأن البدعة في الدين وليست في الدنيا، لهذا قال (البدعة طريقة في الدين مخترعة).
وقوله (مخترعة) يعني أنها جاءت جديدة إما من جهة الأصل، أو جاءت جديدة من جهة الإضافة؛ يعني بذلك أن البدعة قد تكون جاءت جديدة من جهة الأصل لم يدلّ عليها دليل أصلا ولم يكن في أصلها أمر مشروع، وثَم شيء في البدع ما يكون أصله مشروعا لكن هيأته تكون مبتدعة، وهذا كله يدخل في قوله (طريقة في الدين مخترعة).
إذن حصلنا من ذلك على أن البدع نوعان:
بدع أصلية: وهي التي تكون محدثة من حيث الأصل ومن حيث الوصف.
وبدع إضافية: يكون أصلها مشروعا؛ ولكن هيأتها محدثة، من مثل الصلاة على النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على المآذن بعد الفراغ من الأذان، ومن مثل الاجتماع على الذكر على نحو معين بصفة معينة ملتزمة، فهذا من حيث هو مشروع في الأصل؛ لأن الصلاة على النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ مأمور بها في الكتاب والسنة؛ لكن هذه الهيئة جعلت تلك الهيئة مخترعة، فسُمّيت بدعة إضافية ليست أصلية لأن أصلها مشروع؛ لكنها إضافية يعني أن البدعة جاءت من حيث الهيئة، لا من حيث الأصل، فهذا النوع من التعبد بها بدعة؛ لكن أصلها مشروع.
قال (تضاهى بها يعني أن أصحاب البدع التزموا بها فجُعلت البدعة تضاهي الطريقة الشرعية، فنرى نحن العبادات في الشرع العبادات تُعمل ويلتزم بها، نعملها دائما، فإذا أتى أحدا وجعل شيئا ما يظن أنه يقربه إلى الله عز وجل فالتزمه وجعله دائما يعمل به في أوقات معلومة، وجعل لذلك زمانا أو مكانا أو عددا فإنه ضاهى به الطريقة الشرعية؛ لأن العبادات في الشرع من صفاتها أنها يكون لها الوصف من جهة الزمان؛ قبل الصلاة، بعد الصلاة، في طرفي النهار، ونحو ذلك، لها وصف من جهة العدد، لها وصف من جهة المكان، فإذا جعل شيء له صفة معينة في الدين من جهة المكان أو الزمان أو العدد، فإنه يكون قد ضاهى به الطريقة الشرعية.
قال (يقصد بها المبالغة في التعبد لله تعالى) يعني أن قصد أهل البدع ليس قصدا قبيحا، هم قصدوا أن يبالغوا في التعبد، قصدوا الخير -كما سيأتي-، قصدوا أن يتقرّبوا إلى الله جل وعلا؛ ولكن ليس كل مريد للخير محصلا له كما قال ابن مسعود رَضِيَ اللهُ عنْهُ.
إذن تحصل لنا من هذا التعريف أن البدع ملتزم بها، وأنها في الدين وليست في الدنيا، وأن أصحابها يريدون المبالغة في التعبد ودِلالة الناس على الخير والهدى.
أتى أبو موسى الأشعري رَضِيَ اللهُ عنْهُ مرة إلى ابن مسعود في الكوفة فقال: يا أبا عبد الرحمن إن هاهنا قوما في المسجد تحلّقوا وبين أيديهم حصى يقول أحدهم سبحوا مائة، فيرفعون الحصى فيسبحون مائة، وهكذا قال ابن مسعود لأبي موسى: فما قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا حتى أذكر ذلك لك. فقام ابن مسعود إلى أولئك الذين يسبحون الله عن طريق الحصى -يعني يعدون التسبيح بالحصى واجتمعوا على تلك الهيئة- قال ابن مسعود لما وقف عليهم قال: إنكم فُقِتُم صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو أنتم على شعبة ضلالة. قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: كم من مريد للخير لم يحصله، هذه آنية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تكسر، وهذه ثيابه لم تَبْلَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وهؤلاء أصحابه لم ينقطعوا.
فدلّنا بذلك على أن شبهة إرادة الخير هي في أصل إنشاء البدع، كل محدث للبدعة إنما أراد الخير؛ يعني في الجملة.
لهذا نقول: إن أصل إنشاء البدع يقول أصحابه: أرادنا الخير، أدرنا التعبد، أردنا أن ينصرف الناس إلى الذكر، أن ينصرف الناس إلى تذكر السنة تذكر السيرة، أردنا أن يتعبد الناس بصلوات في بعض الليالي، وهكذا. فهم أرادوا الخير؛ لكن هل كل مريد للخير يحصله؟ الجواب: لا، حتى يكون ذلك الخير على وفق السنة وإلا كان غير خير.
من الأمور المهمة في مسائل أو ذكر البدع وتأصيل هذا المقام بعض القواعد التي لابد من أن تكون منها على معرفة وأن تكون منك على ذُكر.
وهذه القواعد والضوابط مهمة في باب البدع.
أول تلك القواعد: أن حقيقة الاتباع للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ راجع إلى أن تفعل ما فعل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لأجل أنه فعل، وأن تترك ما ترك عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لأجل أنه ترك.
وهذا يجمع صلاح العمل من جهة الظاهر والباطن، أما الباطن فلقولنا في آخر الكلام؛ لأجل أنه فعل فيما تفعل، ولأجل أنه ترك فيما تترك، والظاهر أن تفعل ما فعل، قد يفعل المرء ما فعله النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ؛ لكن لا يكون مخلصا إنما يكون مرائيا أو يريد أن يحصل شيئا من الدنيا.
فلهذا قلنا: القاعدة أن تفعل ما فعل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لأجل أنه فعل، وأن تترك ما ترك لأجل أنه ترك.
فبهذا تستقيم لنا السنة وتنتفي عنا البدعة، فالسنن تقوم أن نفعل ما فعل لأجل أنه فعل، والبدع تنتفي بأن نترك ما ترك لأجل أنه ترك عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
وهذا قول الأصوليين حينما يتكلمون عن أفعال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
ولهذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين في بيان هذه القاعدة بصورة أخرى قال: السنن نوعان:
* سنة فعلية.
* وسنة تركية.
فالسنن الفعلية هي التي فعلها عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ما فعل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ -ويشمل الفعل القول والعمل والاعتقاد- ما فعله هذا يقال له سنة فعلية عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
وما تركه: تركه لقصد «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ، غَيْرَ نِسْيَانٍ»، ?وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا?[الحشر:7]، ترك ما ترك وهذا يسمى سنّة الترك، فالذي يستن بالنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يترك ويفعل، يفعل السنن ويترك ما ترك عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ؛ لأن السنة بأمرين بفعلٍ وبتركٍ، والترك نوع من أنواع الفعل كما هو معروف.
من القواعد المهمة هنا أن نقول: ما كان بعد عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ من الأمور فهذا يُنظر إليه من جهة المقتضي للفعل؛ يعني السّبب الداعي للفعل، هل كان قائما في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أم لا؟ فإذا كان السّبب الذي يقتضي الفعل قائما في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وترك عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ الفعل مع قيام المقتضي للفعل فإن إحداثه بدعة، بخلاف ما لم يكن المقتضي للفعل قائما في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، مثاله الاحتفال بأنواع الاحتفالات: ليلة المولد، ليلة الإسراء والمعراج، أو الاحتفال في ليلة سبع وعشرين من رمضان. هل كان المقتضي للفعل قائما في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أم لا؟ قال العلماء المقتضي للفعل كان قائما؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يعلم تلك الليالي، ولأنه يريد ما يقرّب الخلق إلى ربهم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فالمقتضي للفعل كان قائما، فلماذا ترك مع قيام المقتضي للفعل. يدلّنا هذا على أن الترك مقصود، وأنه ترك لأن فعل ذلك الشيء غير مشروع.
لهذا قال العلماء: إذا كان الأمر قد قام المقتضي لفعله في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ولم يفعل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فإنّ ذلك الفعل إحداثه بدعة، أما إذا لم يقم المقتضي على الفعل -المقتضي يعني الأمر الذي حمل على الفعل- لم يكن قائما في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فإن إحداثه لا يسمى بدعة.
مثاله جمع المصحف، جمع القرآن، جمع الصحف حتى تكون بين دفتي كتاب، هل فعل النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ذلك؟ لم يفعل، هل جمع المصحف محدث؟ الجواب ليس كذلك، لم؟ لأنه في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان القرآن يَنزل، وكان يؤمر عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أن يضع آية كذا في مكانها من السورة، فلو كُتب المصحف لكان نحتاج بعد نزول جملة من الآيات إلى كتابات جديدة.
وهكذا المقتضي للفعل وهو الجمع، المقتضي للفعل لم يكن موجودا في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فما المقتضي للفعل؟ تمام تنزل القرآن، فتمام تنزل القرآن ما علم إلا بوفاته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، ولهذا كان من فقه الصحابة رضوان الله عليهم أنهم جمعوا القرآن في عهد أبي بكر ثم في عهد عمر ثم في عهد عثمان إلى آخر ما هو معلوم، مع ما في ذلك من دلالة قول الله جل وعلا ?الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ[البقرة:1-2] وقوله الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ[الحجر:1] قال
الْكِتَاب والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو؛ يعني أنه أرشدهم أن يجمعوه في كتاب وفي مُصحف أو مِصحف كلاهما صواب.
هذه قاعدة مهمة.
من القواعد أيضا: أن قاعدة البدعة أن تكون ملتزما بها، فإذا فعلت مرة ولم تلتزم كانت خطأ وخلافا للسنة ولا تسمى بدعة؛ يعني لا يسمى الحدث في الدين بدعة حتى يلتزم؛ لأنهم قالوا في تعريفه: طريقة في الدين مخترعة.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كلامه: فضابط الالتزام مهم في الفرق بين البدعة وخلاف السنة. يعني نقول فلان مخالف للسنة، أو نقول هذا الفعل خلاف السنة، إذا فعله مرة مرتين ولم يلتزمه، لكن إذا التزمه وجعله طريقا مسلوكا صار بدعة، فالبدعة ضابطها أن تكون ملتزما بها، وخلاف السنة أن يخطئ؛ يعمل عملا على خلاف السنة؛ لكن فعله مرة أو مرتين.
فإذن إذا رأيت من يفعل خلاف السنة من الأفعال، فهذا تقول له: هذا الأمر خلاف السنة. فإذا التزمه صار بدعة في حقه، قد يكون بدعة من دون النظر إلى الشخص، من دون النظر إلى الفاعل؛ لكن مع جهة الفاعل فإنك تقول هو خلاف السنة حتى يكون الفاعل ملتزما له، والفعل يكون بدعة؛ لأن الناس التزموه؛ يعني أهل البدع.
هذا ضابط مهم؛ لأن من الناس من يقول في كل خلاف للسنة إنه بدعة، وهذا ليس بصواب؛ بل الصواب التفريق بين ما هو مخالف للسنة وما هو بدعة.)
السنة والبدعة من مكتبة العلامة صالح آل الشيخ حفظه الله

أم الزبير
01-01-2009, 12:27 PM
جزاك الله خيرا وأحسن إليك أختي أم عبد الرحمن
حبذا لوعدلتي العنوان ليكون أوضح
وفقك الله